الجاحظ

144

البخلاء

عليك أبواب الألوف ، حتى يأتي ذلك على الفرع والأصل ويطمس على العين والأثر ، ويحتمل القليل والكثير . أي بنيّ ! إنما صار تأويل الدرهم « دار الهم » ، وتأويل الدينار « يدني إلى النار » . إن الدرهم إذا خرج إلى غير خلف ، وإلى غير بدل ، دار الهم على دانق مخرجه . وقيل : إن الدينار يدني إلى النار لأنه إذا أنفقه في غير خلف ، وأخرج إلى غير بدل ، بقي مخفقا معدما ، وفقيرا مبلطا « 1 » متحرّج المخارج . وتدعوه الضرورة إلى المكاسب الرديئة والطعم الخبيثة . والخبيث من الكسب يسقط العدالة ، ويذهب بالمروءة ، ويوجب الحدّ ، ويدخل النار » . وهذا التأويل الذي تأوّله للدرهم والدينار ليس له ، إنما هذا شيء كان يتكلم بعه عبد الأعلى القاصّ . فكان عبد الأعلى إذا قيل : « لم سمي الكلب قليطا « 2 » » ؟ قال : لأنه « قلّ ولطى » . وإذا قيل له : لم سمّي الكلب سلوقيا ؟ قال : لأنه « يستلّ ويلقي » . وإذا قيل له : لم سمّي العصفور عصفورا ؟ قال : لأنه « عصى وفرّ » . وعبد الأعلى هذا هو الذي كان يقول في قصصه : الفقير رداؤه علقة « 3 » ، ومرقته سلقة وجردقته فلقة ، وسمكته شلقة « 4 » . في طيب له كثير . وبعض المفسّرين يزعم أنّ نوحا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إنما سمّي نوحا لأنه كان ينوح على نفسه . وأن آدم إنما سمّي آدم لأنه حذي « 5 » من أديم « 6 »

--> « 1 » مبلطا : لا شيء له . « 2 » قليطا : قصيرا مجتمعا . « 3 » علقة : قميص بلا كمين . « 4 » شلقة : بيض الضبّة . « 5 » حذي : قطع والحذيّة : العطية . « 6 » أديم : تراب .